حيدر حب الله
163
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ب - إنّ حديثكم عن الغلوّ ، يراه الطرف الآخر الآخذ بهذه الرواية وبمضمونها - ولو من خلال أدلّة أخرى عنده - اعتدالًا لا غلوّاً ، فهم يقولون بأنّ علم الإمام مطلق وله الولاية التكوينية على العالم ، وهو العلّة الفاعليّة والغائيّة للعالم ، وهو المثيب والمعاقب ، وهو بيده الحشر والنشر ، وهو الواسطة في كلّ فيض ، وهو مظهر ومجمع الأسماء والصفات ، ولا يرون ذلك غلوّاً ، انطلاقاً من نظريّتهم الخاصّة في تفسير الغلوّ ، نعم قد ترونه أنتم غلوّاً ، لكنّ ذلك لا يصلح إشكالًا عليهم ، ما لم نفكّك فكرة الغلوّ ومظاهرها في المرحلة السابقة . نعم ، هذا الحديث قد لا يناسب هؤلاء من جهة إشكاليّة أخرى يمكنني إثارتها هنا وهي : إنّ الحديث يركّز في بعض صيغه على سلب الربوبيّة عنهم عليهم السلام ، وهو سلبٌ مطلق غير مقيّد بقيد الاستقلال ، وعليه فيكون هذا الحديث نافياً للولاية التكوينية على العالم للمعصوم ؛ لأنّ الولاية التكوينية هي ربوبيّة غير مستقلّة ، فإنّ معنى الربوبية هو الرعاية والتربية وبناء الشيء باستمرار ، كما يفعل الأهل مع أولادهم ، وهذا المعنى مطابقٌ للولاية التكوينية ، بمعنى الواسطة في الفيض ، فيجب عليهم هنا إضافة قيد تقديري - والأصل عدمه - في أنّ الربوبيّة بمعنى الاستقلال فيها ، ولا أظنّ ذلك صعباً عليهم من وجهة نظرهم . ج - إنّ قولكم بأنّ لازم هذا الحديث هو الكذب عليهم غير صحيح فيما يبدو لي ؛ لأنّ الحديث يقول : قولوا فينا ما شئتم ، ولا يقول : قولوا عنّا ، فهو يحكي - بحسب تركيبته وسياقه وقرينة المقابلة فيه - عن أن نقول نحن شيئاً فيهم من الكمالات ، لا أن ننقل شيئاً عنهم ، حتى يكون الحديث مجيزاً للكذب عليهم ، وعليه فالحديث يقول : كلّ ما تتخيّلونه من كمالٍ لمخلوق فانسبوه إلينا ، لا أن